لم يعُد بالإمكان تجاهل التمويل الإسلامي.

فالقيمة المصرفية لهذا القطاع تبلغ 1.6 تريليون دولار على مستوى العالم وهو ينتشر بسرعةٍ كبيرة. ولكن من سيتربّع على عرش التمويل الإسلامي في العالم؟

بما أنّ المسلمين عادةً ما يفضّلون الاستثمارات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية على الاستثمارات التقليدية، فإنّ المنافسة ستكون بالطبع في تقديم منتجات تُلبّي احتياجاتهم، وتتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية. وقد توقع الخبراء خلال العام الماضي أن يبلغ الطلب على القروض الإسلامية 950 مليار دولار بحلول العام 2017، ولا شكّ أنّ التمويل الإسلامي ينمو بمعدّلٍ يفوق معدل التمويل التقليدي.

إذن، أيّ الدول تتنافس على لقب عاصمة التمويل الإسلامي العالمية؟ في البداية توجد الإمارات العربية المتحدة ودبي على وجه التحديد. فلا تُخفي دبي طموحها في أن تقود العالم في التجارة الإسلامية. وقد حققت لنفسها موطئ قدمٍ راسخٍ في طريقها نحو النجاح. وستستضيف دبي القمة العالمية للاقتصاد الاسلامي الأسبوع المقبل، لتؤكّد بذلك على مكانها في السوق العالمية.

كما أنّ هناك ماليزيا، أكبر سوق للصكوك في العالم (مشابهة للسندات في التمويل التقليدي)، وهناك أيضاً تركيا، التي تضاعفت أصول المؤسسات المالية الإسلامية فيها ستة أضعاف خلال العقد المُنصرم.

إضافةً إلى أنّ عديداً من الدول غير الإسلامية، كاليابان وهونغ كونغ وبلدان أفريقية، تُبدي اهتماماً فعلياً بالقطاع. هناك، في المملكة المتحدة على سبيل المثال، 20 مصرفاً إسلامياً يُقدّم منتجات مالية متوافقة مع الشريعة الإسلامية. وقد تمّ الإعلان عن مؤشرٍ جديدٍ للتعاملات الإسلامية في بورصة لندن، إضافةً إلى إعلان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بأنّ بلاده تعتزم إصدار صكوك إسلامية بقيمة 200 مليون جنيه استرليني، تهدف إلى جذب أموال جديدة إلى العاصمة البريطانية.

لماذا لقي التمويل الإسلامي رواجاً كبيراً؟

المبدأ الأساسي للتمويل الإسلامي هو أنّ النقود بحدّ ذاتها لا قيمة لها، إنها مجرّد أداة للمقايضة. لا يجوز للمسلم أن يربح من مقايضة النقود مع شخصٍ آخر، وبالتالي، فهو لا يستطيع أن يأخذ فائدة (ربا) على النقود التي يُقرضها للعملاء.

ولكن البنك الإسلامي، حاله كحال البنك التقليدي، يحتاج إلى تحقيق أرباح، ولذلك تقوم البنوك بتصميم منتجاتها بحيث تكون متوافقةً مع أحكام الشريعة الإسلامية ومُربحة في الوقت ذاته. ولهذا السبب، لا يحصل العملاء على فوائد على مدخراتهم أو لا يدفعون فوائداً على ديونهم، ولكنهم يتقاضون أو يدفعون معدل ربح.

مثلاً، يقوم البنك باستثمار مدخرات صاحب حساب الادخار الإسلامي في استثمارات تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، ويمنحه في المقابل معدل أرباح. حيث يسمح ذلك للمسلم الحصول على عوائد على نقوده من دون المساومة على معتقداته. ومع توفر كمٍّ غير مسبوق من المنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، فقد ازداد عدد المسلمين الذين يختارون التمويل الإسلامي لتلبية احتياجاتهم المالية.

المسلمون وغير المسلمين يستفيدون من التمويل الإسلامي

يلقى التمويل الإسلامي رواجاً متزايداً لدى المسلمين وغير المسلمين، لأنه يُراعي القِيَم الأخلاقية. حيث تجذبهم قِيَم التجارة العادلة وتوزيع الأرباح بصورة أخلاقية وعدم استثمار الأموال في أعمال تجارية محرّمة كتجارة السلاح والمشروبات الكحولية والأعمال الإباحية.

لنأخذ الإمارات العربية المتحدة كمثال؛ البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية تتنافس في السوق، وتُقدّم كلاً منها منتجات مالية منافسة لجذب العملاء.

ونتيجة لذلك يختار الكثير من العملاء المنتجات الإسلامية بغض النظر عن أديانهم ومعتقداتهم.

مستقبل التمويل الإسلامي

لا شكّ أنّ التمويل الإسلامي وجد موطئ قدمٍ راسخٍ في القطاع المصرفي بصورةٍ عامة، ولكن هناك بعض العقبات التي ينبغي تذليلها من أجل ضمان تواصل هذا النجاح.

وتشمل أوجه الاختلاف بين الدول الخليجية ودول جنوب شرق آسيا من حيث تصميم المنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. كما يجب تطوير برامج التمويل الإسلامي التعليمية على المستوى الأكاديمي من أجل تعزيز القطاع.

وبعد حلّ هذه الأمور وغيرها سيزداد القطاع شفافيةً، الأمر الذي سيُتيح للمتصدّرين في الظهور. ولا شكّ أنّ دبي والإمارات العربية المتحدة بين المتصدّرين، فلنراقب هذا القطاع جيداً.